الاثنين، 29 أبريل، 2013

تعلق احد النقادعلى فيلم الفنان احمد مكى "سمير أبو النيل"




"مرتبك" هو التوصيف الأكثر موضوعية لفيلم أحمد مكي الجديد "سمير أبو النيل" (من إخراج عمرو عرفة وإنتاج محمد السبكي)، بل إن اللفظة ذاتها قد تمتد لتصم الفنان نفسه خلال مشواره –القصير- الذي قطعه عقب فيلمه الأسبق "لا تراجع ولا استسلام". 


فبعد "الحاسة السابعة" كمخرج ثم كممثل في "اتش دبور" و"طير أنت" و"لا تراجع ولا استسلام"، كاد أحمد مكي أن يكون رائدًا لشكل سينمائي جديد على السينما المصرية وهو "البارودي Parody" أو السينما الساخرة، والذي إن كان رائجًا في أمريكا عبر السلسة الأشهر من أفلام "Scary Movie"، إلا أننا لا نستطيع تصنيفه كلون جديد في السينما المصرية والعربية، بشكل واضح قبل أحمد مكي "البارودي هي الأفلام التي تستهدف السخرية من أفلام وشخصيات مشهورة في المجتمع عبر إطار كوميدي خفيف" وهو الذي نفذه مكي ببراعة في "الحاسة السابعة" –مخرجًا- ثم "طير أنت" و"لا تراجع ولا استسلام" ممثلا، وكان من الممكن أن يتقبل الجمهور عثرة مكي في فيلمه السابق "سينما علي بابا" لولا أن خرج فيلمه الجديد مخيبًا للآمال، رغم أن ذلك الوصف الأخير قد يكون متعسفًا حيث لم يمر على عرض الفيلم في السينما سوى أقل من أسبوع، لكن الفيلم به من العديد من المشاكل التي ستصدم الجمهور المحب لأعمال مكي الفنية السابقة. 

اعتمد أحمد مكي في أفلامه السابقة على السخرية من الكلاشيهات الدرامية التي قتلت بحثًا قبل ذلك في العديد من الأفلام والمسلسلات، مستعينا بشخصيات منتقاة من طبقتي البرجوازية والبروليتاريا واللذين غفلت السينما عن معالجتهم (اتش دبور وحزلؤم كمثال)، لكنه في سمير أبو النيل يقع في الفخ الذي نصبه هو قبل ذلك، عن طريق بناء دراما الفيلم على كلاشيهات ميتة، حيث يلجأ رجل الأعمال حسين -حسين الإمام- لابن عمه سمير أبو النيل ليضع عنده مبلغا كبيرا من المال (550 مليون جنيه)، فقط لأن سمير وهو في سن الإعدادي وجد مبلغًا من المال (50 ألف جنيه) في أتوبيس ثم سلمه للشرطة وهو بذلك يصير في نظره أمينًا وكفؤًا للحفاظ على أمواله الضخمة، والتي يخشى أن يستولى عليها أخوته إذ هو مات لأنه مصاب بمرض خطير، بينما ابنته لازالت صغيرة ولا تستطيع الاحتفاظ بتلك الأموال، ثم يطلب سمير من بن عمه أن يستقطع مبلغا من المال كي يتاجر به ويوافق بن العم، لتشكل محاولة سمير الأولى لاستثمار الأموال في منتجات التجميل، الفرصة لمكي لممارسة "البارودي" لكن يفشل في الاثنتين؛ استثمار الأموال؛ والبارودي، حين يقرر سمير أن يعلن عن منتجاته على طريقة إعلانات المنتجات الطبية التي تملأ الفضائيات لكن شخصية أحمد مكي التي تطغى على شخصية سمير أبو النيل تفشل في إضحاك المشاهد لأنه –مكي- لايزال يستخدم حركاته نفسها التي استخدمها آنفا في تقليد مقدم البرامج الرياضية "ممدوح فرج"، وحين يوقن سمير أبو النيل فشل تجربته الاستثمارية يقرر اللجوء لـ"ليلى حلمي" –نيكول سابا- والتي تساعده لإنشاء قناته الفضائية، وبسبب الشهرة الكبيرة التي يحققها سمير تستهدفه صحفية لكشف زيفه للرأي العام، ولا جديد يذكر يقدمه الفيلم عن شخصية الصحفي؛ فكما يصر صناع السينما في هوليود على استخدام الجمل والعنزة والطربوش والعقال والصحراء عند الحديث عن مصر أو البلاد العربية، لايزال صناع السينما المصرية يصرون على تصدير شخصية الصحفي بشكل ساذج على أنه مخبر أو –المحقق كونان- عند الحديث عن الصحافة المصرية، ولكنهم أضافوا في ذلك الفيلم لمحات جديدة لذلك الصحفي المخبر، تواكب الوقت الراهن –خاصة بعد الثورة- وهي ولعه الشديد بإنشاء صفحات ساخرة على فيسبوك تستهدف الشخصيات الفاسدة في المجتمع، وحين تستطيع تلك الصحفية النجاح في كشف فساد سمير أبو النيل عبر حيلة ساذجة، تنهار شهرته وتجارته الرابحة ثم تأتي منة شلبي-ميرفت- من أستراليا لتقوم سلوك أبو النيل وينتهي الفيلم بمعرفة سمير أبو النيل غلطه مع وعد بعدم تكراره، بعد أن يكتشف كذلك أن بن عمه أوقع به لأنه ليس مريضًا وإنما كل مافي الأمر أراد تشغيل "بعض الفلوس المركونة". 

الظهور غير المنطقي لشخصية ميرفت والذي يصدم المشاهد بشخصيتها الأنيقة والمهذبة، كان من الممكن أن يصير أكثر من منطقية إذا تغيرت معطيات سلوك سمير أبو النيل الشخصي –ولا نقصد هنا طبقته الاجتماعية- لكن صناع الفيلم يلون عنق الدراما لإقناع المشاهد بمنطقية تلك العلاقة عندما تذكر ميرفت في المشاهد الأولى للفيلم عبر اتصال دار بينها وبين سمير بكلاشيه درامي ميت جديد في أنه دافع عنها وضرب شخص عاكسها ومن يومها وهي واقعة في حبه. 

الارتباك الذي قصدنها سلفًا يظهر مع العتبة الأولى للنص السينمائي، وهي عنوان الفيلم "سمير أبو النيل"، حيث استبدل المؤلف اسم "أبو الليل" بأبو النيل، في إشارة للإطار الساخر الذي يريده لبطل الفيلم، ولكن الاسم لم يتخطى حاجز العنوان إلى باقي أحداث الفيلم، ليصبح مجرد "إفيه" صاغه المؤلف وبدأ وانتهى على الأفيش لا أكثر. 

لا تزيد أدوار الممثلين المشاركين في الفيلم عن مجرد أقارب ومعارف البطل الذين يمثلون البيئة الاجتماعية حوله، كما أنهم لا يؤدون شخصيات حية داخل الإطار الدرامي بقدر تمثيلهم لكيانات واضحة ومباشرة؛ تتمثل في الشرطة (شخصية أمين الشرطة ويؤديها محمد لطفي)، ورجل الأعمال المنتفع من نظام ما قبل الثورة (ويؤديها حسين الإمام)، الإعلامي (ويؤديها مكي نفسه في النصف الثاني من الفيلم)، الصحافة الورقية (شخصية الصحفية وتؤديها دينا الشربيني)، ثم تاجر الدين (والتي تنجلي في أخر مشاهد الفيلم عبر شخصية أخو سمير والتي يؤديها علاء مرسي)، ورغم أن تلك المعطيات قد تمثل مادة غنية للكوميديا إلا أن طاقم العمل قدمها بارتباك شديد، فيظهر أمين الشرطة "أشرف" في أولى مشاهده وهو يأخذ رشوة مرورية، ثم يعقبها زيارة مكي للقسم لاختصام أحد الشخصيات فيجد القسم وقد عمته الفوضى وقام البلطجية باحتجاز أمين الشرطة وباقي طاقم القسم الذين لا حول لهم ولا قوة، في وجه عناصر أخذت أشكالا ثورية/ بلطجية، ثم بعد ذلك يذهب أشرف لسمير أبو النيل باكيًا راجيًا ليوظفه لديه لأنه خرج في "تطهير" الشرطة، يقولها مستنكرًا ليجد المشاهد نفسه أمام وجهة نظر غاية في الارتباك من صناع الفيلم تجاه الداخلية؛ فلاهم اكتفوا بوجهة النظر الإعلامية التي راجت أيام المجلس العسكري -ولازالت مستمرة- والتي تنفي تقاعس جهاز الشرطة وتصوره مسكينًا في وجه البلطجية، ولا هم ينحازون لرأي بعض الجهات الثورية والتي تطالب بتطهير ذلك الجهاز، ثم يستمر أشرف طوال المشاهد التي تلت تلك الحادثة وحتى التي سبقتها منصاعًا كلية بشكل غير مبرر لسمير أبو النيل. 

الارتباك الثاني يظهر مع الكشف عن شخصية البطل "سمير أبو النيل"وهو ارتباك ذو مرحلتين، مرحلته الأولى تكمن في الشاب خريج معهد الخدمة الاجتماعية والمنحدر من منطقة منيل الروضة العريقة، والتي لم يبذل أحمد مكي أي مجهود يذكر في التحضير لها غير إنه "رَكِب شنب" وأغلظ من نبرة صوته، ثم جاء ديكور غرفة السطوح التي يسكنها وشقته التي يملكها بذوقهما الأرستقراطي ليزيدا من ارتباك المُشاهد، خاصة مع الشخصية البخيلة والسمجة والجاهلة و"العشوائية" –نسبة للمناطق العشوائية- لسمير أبو النيل، الأمر الذي يعكس عدم معرفة مؤلف الفيلم وبطله بالتركيبة الجغرافية والاجتماعية لمنطقة منيل الروضة، ثم المرحلة الثانية والتي تكمن في تحول سمير أبو النيل إلى إعلامي وصاحب قناة، وهو تحول يحمل إسقاطًا سافرًا على شخصية الإعلامي توفيق عكاشة، والتي فشل صناع الفيلم فشلا ذريعًا في الاستفادة من الثراء الكوميدي الذي يكتنف تلك الشخصية الإعلامية، وأخيرًا يظهر الارتباك في تقديم شخصية الحاج شكري أخو سمير أبو النيل –وهو من المنصورة في استمرار لمسلسل الإسقاط على توفيق عكاشة- ذلك الرجل الطيب الورع والتي لاتظهر عليه أي علامة من علامات التشدد أو الانتهازية أو عدم الرضا (وإن كان المؤلف قد أشار إشارة وحيدة غير دالة بالمرة على جشع صغير يعتري "الحاج" وهو يقوم بعد النقود عقب صفقة مكتبية رابحة– إذ هو يملك مكتبة لبيع الأدوات المدرسية- أتته نتيجة لسطوع نجم أخيه)، ثم يتحول فجأة في نهاية الفيلم إلى تاجر دين عبر القنوات الفضائية (وهو المشهد الذي ينتهي الفيلم به). 

الاستسهال كان سيبدو عنوانا موضوعيًا كذلك لفيلم "سمير أبو النيل"، لولا أن لفظة الاستسهال غالبًا ماتطلق في صورة لوم موجه لسقطة فنية يقوم بها أحد المبدعين، لكن الصورة التي حرص أحمد مكي على ترويجها لنفسها، بأنه الفنان صاحب الفكر المغاير لم تعد كافية لكي نصدقها خاصة بعد "سينما علي بابا" و"سمير أبو النيل".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق