الخميس، 21 فبراير، 2013

مســــرحيه .......الحــــــــــرب ........ مصطفى عبده ابراهيم




المشهد الاول / بيت من حجره واحده علي السطح، في اقصي اليسار علي حافه المسرح ، سرير حديدي اسود اللون ، صغير ، تنام عليه الام .. امراه متوسطه السمنه ، تلبس عباءه رماديه ، لها فتحته صدر مربعه الشكل ، سانده ظهرها علي الوساده ، و شعرها القصير مختلط اللون ما بين الابيض و الاسود .. تنظر الي السقف الخشبي ،المعلق فيه مصباح اصفر ، وراء السرير ، طاوله عليها ملابس مطبقه .. و مرصوصه اكواما .. علي يمين الطاوله دولاب حديدي سماوي اللون ، يخزن فيه الطعام ، علي يمينه شباك صغير مفتوح حيث سماء الليل ممتلئه بالظلام و الغبار و السحب ، لا نجوم ، و لا قمر مرئي .. تحت الشباك الي اليمين قليلا ، مكتب خشبي قديم بني اللون ، و كرسي ظهره الي الجدار ، يجلس عليه وحيد ، شاب في
العشرينات ، يلبس قميصا رماديا ، و جاكيت اسودا ، شعره طويل و مبعثر ، يبدو علي وجهه الغضب .. الجدران رماديه اللون متاكله الدهان حيث تظهر بقع جفرافيه الاشكال .. 

 وحيد : احباط كالعاده .

يقلب في الكتاب ، يكشر ، يمسك اعلي انفه باصبعيه ، و يغمض عيناه ، ثم يجحظهما ، يبدو علي وجهه الالم و الارهاق ، يمدد ذراعيه ، يشدهما كثيره و يفرد ظهره ، ثم ينكمش ..

الام : لماذا لا تحلق شعرك؟
وحيد : طويل؟
الام : نعم ..
وحيد : هل اشتريت مراه؟
الام : لا..
وحيد : لا مشكله !
الام : ساشتريها غدا ..
وحيد : حسنا ..
الام : غدا ، سأذهب الي السوق و اشتريها ..
وحيد : جميل..
الام : لم استطع شرائها اليوم ..

ينظر اليها بابتسامه شاحبه

وحيد : لماذا؟
الام : كنت خائفه ..
وحيد : مم كنت خائفه؟
الام : المدينه كلها كانت خائفه ...

صمت

وحيد : لماذا؟
الام : في الصباح ... ( صمت) 
       في الصباح كنت نائما ...
وحيد : هذا امر طبيعي ..
          لكني طلبت منك ان توقظيني باكرا هذا الصباح ..

ترفع ظهرها عن المسند و تنحني لتتحسس قدمها الايمن ..

الام : قدمي متورم ،
       اه ، انه يؤلمني بشده !
وحيد : كيف يؤلمك؟

ينظر اليها في قلق ..

الام : اشعر انه ساخن ، و غير قابل للحركه ، و عندما ادوس عليه 
        يزداد الالم حده من الاسفل الي الاعلي...
وحيد : هل وقعت ، او اصطدمت بشئ؟
الام : بالامس التوت قدمي و انا اصعد السلم..
        اه .. اه ..

تعود لهيئتها الاولي .... صمت ..

وحيد – في يأس- : احباط كالعاده !

يقلب في الكتاب ، يتركه ، يلتفت و هو جالس الي الشباك ، ينظر الي سماء الليل، السوداء لا توجد نجوم اطلاقا فقط سحب و غبار و القمر ليس مرئيا ، 
لا يسمع احد يمشي في الشارع ، فالشارع نائم تماما ، و لا يوجد اي ضوء،
كأن المدينه قد فارقتها الحياه .. ثم ينظر الي غلاف الكتاب..

وحيد : احباط كالعاده ... ( يطرق و يصمت ، و يدق باصبعه علي المكتب..)

اريد ان اعرف شخصيه من يؤلفون الكتب الدراسيه
لابد انهم يعانون من مشاكل نفسيه عنيفه ..
انهم من نفس نوع هؤلاء الذين يمسكون تلك الكتب
و يفتتونها باعينهم ... ( صمت)
عيونهم تشبه عيون رجال المخابرات السوفيتيه القديمه ، 

يضحك بسخريه ثم ينظر الي امه
لا ، السوفييت ليسوا بهذا القدر العالي من الذكاء كالامريكا ..
انهم يشبهون رجال ال CIA
نعم

صمت

Central Intelligence Agency انه اسم مخيف..
و هؤلاء الطلاب مخيفون ايضا ، بخاصه في اللحظات التي
تسبق الامتحان .. مجرد النظر اليهم ، يثير بداخلي
كميات كبيره من الجلوتامات !
هل تعرفين ما هي الجلوتامات يا امي؟

لا ترد ينظر اليها .. يجدها نائمه .. يفتح الكتاب ..

 في حماس- : يجب ان اتحدي نفسي ،
يجب ان اجتهد ، اتقدم ، و لا ادع احدا يسبقني !
نعم تذكرت ..

يفرك السبابه بالابهام في يده اليمني رافعا اياها بجوار راسه ، و ينظر الي نقطه بعيده بوجه متجهم ...

اشعر بان راسي يسخن
و الافكار الهدامه تتلاشي ، استطيع ان ابدا من جديد...

يقلب الكتاب و يرسو علي صفحه..
يمسك كراسا صغيرا و قلما ، و يبدا في المذاكره ، ثم يتوقف و يضع القلم في فمه ، و يفكر ،

ابدا بهذا الدرس ام ...؟
لا اعرف ،
ان بدات به سيأخذ حوالي ساعتين ،
و الاخر ... ( يفكر)
هوف... ( يغضب)
احباط كالعاده ...

ينظر الي الشباك و هو في مكانه ..

لا قمر لا نجوم فقط غبار و سحب كئيبه ...
من اين ياتي هذا الغبار؟
تبدو انها عاصفه ... اخر مره رايت فيها البرق كانت الشهر الماضي .. 
كان الجو جميلا .. و كنت اتمني ان اتمشي فيه .. 
لا احد يسير في الشارع .. اين ذهب الناس .. مم تخاف هذه المدينه؟
انا لم اخرج من ذلك السجن منذ اسبوعين !
اسبوعين؟
الوقت يمر بسرعه ...
هذا يعني موت مقنع !
دائما كنت اقول ان الحريه هي الا يضعك الوقت في جيبه..
اما ان اموت و اما ان اكون عبدا ؟
خاصه عندما يتحتم عليك ان تجلس هكذا علي الاقل ثمانيه ساعات  كل يوم.. (صمت)
احباط..
نعم ، هناك اشخاص يلمعون من البدايه ، مجتهدون و مبهرون ،
لكنهم لا يرضون بذلك ، بل يتسببون في احباط من حولهم ..
ربما لا يقصدون ، و لكن يجب ان يفهموا ذلك ..
نعم ، عليهم ان يفهموا ان هناك من يتاثر ..

 صمت ، يمسل باعلي انفه ، و يغمض عيناه..

كم هو مؤلم ان تشعر بأنك علي الهامش ..
انا وحيد ..
امي ...   ( تصحو الام)
الشئ الصحيح هو انكم اسميتموني وحيد ..
الام : عليك ان تتجاهلهم ، كما اتجاهل البرد ...هكذا ،

تفرك يداها ، ثم تعري ساقها اليمني ..

وحيد- في شحوب- : ذات مره ، قابلت احدهم ،
ابتسم في وجهي ، و قال لي / مرحبا كيف حالك !
قلت له / الحمد لله .. وقف كان ينتظرني ان اصافحه ،
لم انظر اليه ، و تركته و انصرفت !
الام : تجاهلهم و لكن باحترام ..
وحيد : اشعر باني خسرت كل شئ ....
الام – ترفع ظهرها - : عندما تفقد كل شئ فعلا
و تبدأ تحسد الاخرين ، افضلهم و اسواهم..
لا بد انه في لحظه ما ، تكتشف ان احدا كان يحسدك 
ايضا علي شئ كنت تملكه ، عندئذ
تندم علي قيمتك التي كنت تجهلها ، 
و تنعت نفسك بالغباء..
وحيد- في ضجر- : انهم معي في كل لحظه ، في كل مكان،
دائما افكر فيهم ... دائما يحبطونني !
الام : قلت لك تجاهلهم ..

تسند ظهرها ... صمت طويل .......

وحيد : ما كل هذا الصمت؟
الام : اي صمت؟
وحيد: لا احد يسير في الشارع !
الام : اه ... هدوء...
وحيد: الهدوء صوره للحياه ، لكن الصمت يحمل الموت علي كتفه..
الام : نعم انت محق ... ( صمت)
        الموت ..
        الحرب قامت اليوم ...

يضحك وحيد في سخريه..

الام : انا لا امزح .. الحرب قامت اليوم !
       اعلن الخبر اليوم في الاذاعه..
وحيد : اي اذاعه؟
الام : عند الجيران ... سمعت الخبر عند الجيران ي الصباح ..
وحيد : حقا؟
الام : نعم ..
وحيد : الذلك كنت خائفه؟
الام : المدينه كلها خائفه...
وحيد – في ضجر- : نحن لا نملك شيئا .. لا راديو .. لا تلفاز .. لا ثلاجه 
                          لا دولاب اضع فيه ملابسي .. لا شئ نملكه .. لماذا نخاف اذا؟
الام : نحن نملك ارواحنا ..
وحيد : الحرب قامت حقا؟
الام : نعم ..
وحيد : من سيحاربنا؟
الام : اليهود !
وحيد : لماذا؟
الام : اصابتهم ثرثرتنا بالصداع .. لذلك عزموا ان يخرسونا قليلا ..
وحيد : اين الجيران اذا؟
الام : رحلوا ..
وحيد : نحن وحيدون في هذا البيت الان؟
الام : نحن و المطر ..

تسمع نقرات المطر علي السقف الخشبي ، و يدخل الهواء من الشباك ، و رذاذ المطر كذلك .. 

الام : في الحرب الماضيه كنا نغني ...

صمت

كنا نغني ...
وحيد : تغنون ... الغسيل علي خط بارليف !
الام : ماذا ؟

يبدا بالغناء باللغه الانجليزيه..

We're gonna hang out the washing on the Barlif line 
Have you any dirty washing mother dear?
We're gonna hang out the washing on the Barlif line 
Coz the washing day is here!
Whether the weather may be wet or fine
We'll be going along without a care..
We're gonna hang out the washing on the Barlif line
If the barlif line still there….
الام : انا لم افهم شيئا...

صمت ، يتبادلان النظرات  ...

وحيد : لا راديو .. لا تلفاز .. لا ثلاجه .. لا .. ( صمت)
          مراه اري فيها وجهي .. ( صمت)
          احباط دائما ... 
الام : كيف عرفت هذه الاغنيه؟
وحيد : سمعنها عند احد اصحابي..
         هل انت متاكده ان الحرب قامت؟
الام : نعم..

يهدأ المطر...

وحيد : نحن الان وحيدون في هذا البيت؟
الام : نعم..
وحيد : وحيدون .... وحيد .... وحده .... واو .. حاء .. دال،،،
         هؤلاء الحمقي لن يعودوا مره اخري؟
الام : رحلوا ، تركوا المدينه كلها .. تركوا كل شئ في الاسفل ..
        لا ادري ان يعودوا ام لا ..
وحيد : البيت قديم جدا ... سيظنوا انه انهار في الحرب .. لن يعودوا ،
الام : و نموت؟

يبدو عليها الذعر..

وحيد : لا تقلقي يا امي..
          اننا اقل ان تصوب علينا دانه ، او تسق علينا قنبله..

صمت

ابنهم ، كان كثيرا يكلمني عن امريكا ،
و انه يحلم بالسفر الي هناك..
الام : نعم ، ربما سافروا الي هناك و تركوا البلد كلها..
وحيد : ويتركوا البيت لنا؟
الام : نعم !

يضحك بسخريه ...

وحيد : لا نملك شيئا ، و فجأه نملك بيتا كاملا..
     و اثاثا كاملا ، هذه طبيعه الحروب دائما ..
        تعيد تقسيم الطبقات الاجتماعيه كالمكعبات في يد الطفل..
الام : نحن لا نملكه !
وحيد : مادام اصحابه تركوه و رحلوا فهو ملكنا ..
          هل معك مفتاح شقتهم ؟
الام : نعم ، اعطوه لي قبل ان يرحلوا ..

يقف ، و يتجه الي امه ، واضعا يده اليسري في جيب سرواله الاسود 

وحيد : اعطيني المفتاح اذا ..
الام : لماذا؟
وحيد : سأنزل ،
الام : اتريد ان تنزل الي شقتهم؟
وحيد : نعم ..
الام : لماذا؟
وحيد : اريد ان اشعر بالسلطه علي حاجياتهم ،
          انه شعور جميل .. لابد اني ساكون قويا ..
الام : هذه سرقه
وحيد : انهم ليسوا هنا .. رحلوا ..
الام : سرقه !
وحيد : لن يعودوا !
الام : و ما ادراك؟
وحيد : لن يعودوا ، انهم جبناء .. هربوا ..
انهم يخافون علي الرفاهيه .. علي مشاهده التلفاز كل ليله و هم ياكلون الفيشار .. (صمت) pop corn  هكذا كان يقول ولدهم المدلل ، و اكل الفراخ المشويه ، و التنزه ، و اكل البيتزا في المطاعم الراقيه .. يخافون علي شراء الهواتف المحموله الجديده كل عام .. و الذهاب الي الجامعه و الرجوع منها بالتاكسي .. و مصاحبه الفتيات الحسناوات ..
( صمت)
هذا البيت اصبح لنا ..
اصبحنا نملك اشياء غير الغبار و رذاذ المطر ..
الام : انه ملك مهدد بالزوال ..
        قنبله واحده ....
وحيد : قنبله واحده كافيه لمحو هذه المدينه ..
انا لا اخاف من هذه الحرب ، فليحدث ما يحدث ..
اعطيني المفتاح يا امي !

صمت 

اين هو ؟

صمت ، تنظر الام اليه ..

اين هو ؟

ترفع الام الوساده ، و تاخذ المفتاح من تحتها ، ثم ترميه الي وحيد ، فيلتقطه بيده ، يمسكه ، ينظر اليه ، ثم ، يقبض عليه بكفه ، و يسير نحو الباب ، ثم يرجع الي المكتب ، و ياخذ كتبا و القلم و الكراس ...

وحيد : ساذاكر في الاسفل ،
         علي مكتب ولدهم المدلل ..

صمت ، يتقدم نحو الباب و قبل ان يفتح ، يسمع صوت انذار .. غاره قادمه .. علي المدينه ، فيتوقف ، و يسرع الي المكتب و يضع الكتب ، ثم يضع المفتاح في احد الكتب ، بينما تقف الام تفرك يدها ، و يبدو عليها الذعر ...

صوات من الخارج : غاره .. غاره .. غاره ..
                           طفوا النور ... طفو النور ...
الام – في ذعر- : اطفئ النور يا وحيد ..

يرجع و يقف بجوار المكتب و يبدو غاضبا بشده .. تمسك الام رقبتها في خوف ..

الام : اطفي النور ..

يخرج المفتاح من الكتاب .. ينظر الي المصباح و السقف الخشبي.. 

الام : قلت لك اطفئ النور ..

يعيد المفتاح في الكتاب ..

وحيد : هل تظنين اننا لامعين لدرجه انهم يروننا من فوق تلك السحب و ذلك الغبر ؟
الام – تصرخ- : سيروننا !
وحيد : نحن لسنا مرئيين في سواد هذه المدينه !
الام : اطفئ النور ارجوك ... انا لا استطيع ان امشي .. من الرعب ، و قدمي ...
وحيد : قنبله واحده تمحو هذه المدينه ...

تسير الامر نحو زر الباب حيث يوجد زر الكهرباء بجوار الباب و في وسط الحجره ، تسمع طرقا قويا علي الباب فتنظر الي وحيد بوجه احمر و عينين جاحظتين ..

الام : افتح !

يتقدم ، واضعا يداه في جيبه ، تتراجع الام الي السرير ، لكنها لاتزال واقفه .. يبدو علي وجهها الرعب ، تضع يداها علي فمها .. و عيناها جاحظتان بشده ، يفتح وحيد الباب ، فيدخل جندي طويل اسود الوجه يرتدي بزه بنيه و حذاء اسودا و علي راسه خوذه يدفع وحيد علي الارض يبحث عن زر الكهرباء ..

الام : يا نهار اسود ..

يغشي عليها من الخوف فتسقط علي السرير .

الجندي – في لهفه – : طفوا النور ...

يضغط الجندي علي زر الكهرباء بعدما وجده ، ظلام ... يسمع صوت الباب يقفل 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق